كانت الرحلة إلى السودان الحبيب من أروع الرحلات التي قمت بها بالقارة السمراء لاسيّما وأني قمت بهذه الزيارة خلال فترة يعيش بها السودان على وقع ثورته المجيدة التي أطاحت بنظام دكتاتوريّ. وكانت هذه الرحلة فرصة للتعرّف على المشهد الإعلامي السوداني بعد الثورة وعلى صحفيي القنوات التلفزية والإذاعية.

وقد جاءت مشاركتي في إطار احتفال اتحاد إذاعات الدول العربيّة بخمسينيته إذ انبعث الاتحاد بالسودان. وهو ما مثل إطارا مّميزا لهذه الزيارة العمليّة ودفع الإتحاد إلى دعوتي لتأمين دورة تدريبية حول مقاومة الأخبار الزائفة بمشاركة ثلاثين صحفيّا من مؤسسات إعلاميّة عموميّة وخاصّة. وقد أمن تنقلي أنذاك الأمن الرئاسي ممّا جعل التجربة بالنسبة لي فريدة من نوعها. تخيل نفسك تيستقظ كل صباح لتجد سيارة الرئاسة تنتظرك أمام نزل الفاتح الذي يعدّ من أفخم الفنادق بالسودان وقد شيّده القدافي في عهده ثمّ أصبح في عهد السودان.


وسعدت بالتعرّف إلى ثلّة من الصحفيين السودانيين بمافيهم مديري المؤسسات الإعلامية والتي كانت فرصة لمناقشة كيفية تعامل الإعلام السوداني خلال فترة الأزمة مع المعلومات وماهي مصادر المعلومات. وانطلقنا من تجارب آنية وكشفنا عن الأخبار الزائفة. ووجدت في صحفيي السودان رغبة في التعلّم، صارت غائبة نوعا بجامعتنا. وامتدّ لقاءنا لثلاث أيام ناقشنا خلالها أخبار تونس والعالم العربيّ وثورة السودان. وكان فريق الواتساب هو ثمار هذه الدورة بعد أن تعلّم هؤلاء الصحفيين كيفوا يتحققوا من الأخبار.

وكالعادة لم أكتف خلال هذه الزيارة بالتدريب بل استمتعت بكلّ دقيقة لاسيما أنّ أهل السودان أصحاب شيم وقيم، فإن أتتك دعوة من أهل هذه الأرض الطيّبة لا ترفضها لأنّك فعلا سوف تستمع بيومك . فشمس السودان ونيلها الأزرق يغني كلّ شخص يزور هذا البلد عن ضوضاء بلاده. لقد وجدت نفسي أرقص كل ليلة على أنغام الموسيقى السودانيّة لاسيما وقد دعانا المهندس عبد الرحيم، المدير العام إلى الاتحاد إلى بيته فرحا بقدومنا بموطنه. ومهما شرحت ووصفت طيبة هذا القوم، لن تكفي العبارات لذلك


ثم إن السودان ليست كما يتصوره البعض، صحراء قاحلة لا يوجد بها شيء بل هي مدينة عامرة يوجد بها مولات كبرى ومحلات لا توصف ولا تعدّ. ويوجد بها سوق أم درمان الذي هو من أكبر الأسواق بالعالم العربيّ، وتباع به كل أنواع السلع من ثياب وأواني وغيره. أنت أيها المواطني التونسي، تخيل نفسك بسوق سيدي يومنديل ولكن البضاعة تركية. نعم تلك البضاعة التي تعتبر غالية الثمن بتونس لكن بالسودان يمكن أن تتبضع كما شئت بأرخص الأثمان. بالسودان أيضا، يوجد مقاهي وكافيات حتى تستمع بوقتك رفقة أصدقائك. وإن كنت من محبّي الجلود، لا تتردد في أن تقتني حقيبة جلدها الأصلي لأفعى أو تمساح وثمنها في المتناول بالنسبة إلى سائح عربيّ.

أهم شيء لا تغادر السودان دون أن تقوم برحلة سياحية بالنيل وترقص على أنغام الموسيقى السودانية. السودان بلد تطيب به فعلا الحياة. وشخصيا، لو أتتني أيّ فرصة للعمل بمنظمة دوليّة بالسودان، لن أرفض العرض لأني عشقت السودان كعشقي لموريتانيا وربّما أكثر. القارة الافريقية هي المستقبل.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *